مجاوزة اللزوم

Saturday, January 9, 2016

بين المناكفة والتمكين والمقاومة

بين المناكفة والتمكين والمقاومة
تعمل نماذج العمل السياسي وفق قواعد مطلبات الطرح وسقف الاهداف.  لذلك فاسلوب النضال يعبر عن حقيقة البديل السياسي وعن تأصله وجدية طرحه.  وعكس ما كان يعتمد في تقييم طروحات واساليب العمل السياسي، نضالا كان او عملا محدودا، من راديكالي مقابل اعتدال، او سياسة مقابل عنف، أو حلول مجتزأء مقابل حلول ثورية جذرية، فإن مجمل التجارب السياسية افرزت نماذج أخرى متماهية مع نوعية الطرح السياسي ومعبرة عن صدقيته ومستوى تطلعاته.  من الجدير بنا اليوم اعتماد هذه النماذج لمقاربة المشاريع والبرامج السياسية للحركات والاحزاب ومعرفة مواطن الخلل ومآل هذه المشاريع التي قد تبدو لنا اكثر قدرة شعبية وقدرة على تغطية التطلعات الكبيرة.
في مجمل التجارب السياسية للمعارضات الوطنية والنضالات ضد المحتل والاجنبي والحركات الشعبية عموما، هنالك ثلاث خيارات اعتمدتها الحركات سواءا عن وعي او تمثلا غير واقع لحجمها وتطلعاتها ونوعية مشاريعها.  يمكن حصر هذه الاساليب السياسية و"النضالية" في منهج المناكفة واسلوب التمكين وبديل المقاومة. 
مثلت المناكفة اسلوب معارضة شعبية حزبية ونقابية احيانا كشكل من العناد في وجه الحاكم لاحداث ضجيج متواصل، دون الدخول في صدامات ثورية راديكالية، من اجل تحسين اوضاع معيشية او ارغام صاحب السلطة على الرضوخ لمطالب ملحة وتطلعات شعبية محصورة.  من المهم ربط هذا المنهج بمجمل العلاقات التي قامت بين الحاكم والرعية الى ما بعد نهايات الفترة الاولى من الاستعمار الفرنسي لتونس عندما كانت مجمل ردود الافعال على الجباية والظلم تنحصر في الانتفاضات التي تعبر عن وجدان رافض بدون خطة عمل او تطلع لتغيير نظام الحكم، أي ان هذه الافعال في مجملها محصورة في الزمان والفاعلية وغير ممتلكة لمشروع بديل او لجرأة على التغيير الفعلي والكامل، أو حتى لتصور لما ستكون عليه الامور اذا ما انزاح الظلم بعوامل خارجية.  وهذا عامل مهم في فهم الانكسارات التي حدثت لكل الحركات المناكفة والتحركات الوجدانية العفوية.  لقد اعادت شعوب منطقتنا انتاج نفس الفشل كل مرة لانها لم تتحسس طريق المقاومة والفعل الحقيقي. هذه النظرة كانت تغلب حتى على التصورات والبدائل الثورية بعد كل انكسار، فيتحول المشروع الكبير الى مشاكسات مع انظمة الحكم تنتهي بتدجين وتركيع المشاكسين، ولعل الامر نفسه ينطبق على الردود العفوية التي وسمت سياسات انظمة كثيرة استدرجت الى الهرسلة والحرب والتدمير بعل غياب بديل المقاومة كخيار استراتيجي.
في نفس الوقت قدمت مرجعات دينية وغير دينية اسلوب التمكين كوسيلة للوصول الى مركز القرار بسلام وتفعيل التغيير من داخل المنظومة.  غير ان الملفت هو ان التغيير في الاخير يحدث لمنظومة طالبه اكثر مما يؤدي الى تغيير الواقع بديلا افضل وحلما شعبيا اسمى.  لعل المرجعيات الفقهية المتسترة بمشروعية التقية قد وفرت مشروعية لقادتها ان يستعملوا التلين والتلون كوسائل للمهادنة والتسرب الى السلطة لتغيير الواقع والتمكن من تنفيذ مشاريعهم من خلال ذلك، وبعيدا عن المشروعية، فإن المحصلة غالبا ما تكون الاستدراج الى المنظومة والانظباط لها اكثر مما تمثل خيارا لمحاربة الفساد وتحقيق العدل والرخاء.  ثم أن التمكين عبر الانخراط في منظومات المال العالمية هو افراغ للمشروع البديل من كل عمق شعبي وتمييع للقضية ولحاملي مشعلها، فعندما تحولت همة بعض حركات النضال الوطني الى الحصول على التبرعات والهبات، شل الشعور بالرخاء والانخراط في الاعمال النضال واصبح المال بديلا عن الوطن وغاب صوت البندقية ليصبح شح التبرعات مؤديا للسقوط في اسلو وما تلاها.  وهو ما يقع كل عقد تقريبا لحركات كثيرة بحثت عن التمكين فتحولت الى جزء من المكينة العامة لمؤازرة الكشروع القائم عبر توهمها احداث تغيير بطيئ مع الوقت. 
من جانب مقابل نرى ان الشعوب التي بنت روحا ثورية متوارثة وحققت امجادا تاريخية وانتصارات غير قابلة للمساومة ضد اعدائها، كانت قد بنت ذلك على تأسيس ثقافة مقاومة وروح مقاومة وعقيدة مقاومة.  لعل الرؤية العامية لمسألة المقاومة تستحضر العنف والحرب والراديكالية كاساليب وصور حصرية معبرة عن البديل.  أي أن المقاومة هي فعل عنيف وعناد قوي واصرار سيزيفي من اجل بلوغ هدف سياسي معين.  إلا ان المقاومة هي رؤية غير مجتزأة للاشياء تنظر الى خارطة فيها معالم واضحة وحدود جلية لمن هو العدو وعقيدة راسخة لتاريخية القضية وايمانا يقينيا بعدالة المطلب.  كما انها لا تؤمن بالوهم المتمثل في اعتماد التقية للوصول الى التمكين.  وهي ايضا رد على متطلبات الديناميكية والشجاعة المطلوبتان لفرض الخيارات على الميدان وتحقيق الامتدا الشعبي الضروري لكل قضية.
لعل المعنى الاهم ف تناول هذه الخيارات ومناقشتها ولو بشك موجز هو محاولة لفهم جزئ هام من تاريخنا تمثل في الحركات الاجتماعية التي لا تؤول الا الى فشل ولا تنتهي الا بمأساة وانكسار جديد كل مرة ينفلت فيها العقال لحظة غضب ونقمة من اوضاع الظلم والحيف والاستبداد والتفقير.  هذا ما يفسر توق انفسنا الى الحرية والعدل والكرامة بدون القدرة على تشكيل بديل يجعل المقاومة قضية وعقيدة.
 


Monday, June 8, 2015

الحركيون الجدد، توظيف التاريخ للهدم الذاتي

الحركيون الجدد، توظيف التاريخ للهدم الذاتي
الحركية هي عقيدة العدو الداخلي وفيروس تاريخي في الامة...
يقدم الحركيون انفسهم بانهم حركة نشاط وفاعلية، فهم بذلك يعرفون انفسهم بانهم تحركوا ضد الفئة الواحدة وهيمنة الحزب الوحيد على قضية تحرر الجزائر من الاستعمار.  وكانت ضرباتهم موجهة الى الجيش الجزائري دفاعا عن الجيش الفرنسي، مقابل اجور شهرية  تصل الى 500 فرنك في اليوم.
كل هذا والحركيون، وبحربهم ضد الثوار، كانوا يدعون انهم يتمنون ان يقع تمتيع الجزائر باستقلال داخلي والتجهيز للاستقلال التمام، كما حدث في تونس.  لئن بدا الموقف اختلافا في الرؤى لمعركة تحرر الجزائر، فإن مجريات الامور كانت تشي بانهم مجرد مرتزقة يقاتلون ابناء بلدهم نصرة للمستعمر من اجل اجرة ومنصب.  لم يكن لهم من موقف وطني او راي مختلف.   انتهى الامر بفرار اكثرهم واعدام البقية على يد الجزائريين بعد طرد الفرنسيين.
بالنظر في التركيبة القبلية للامر وبدون الذهاب بعيدا، يمكننالقول بكل جازم، وبناءا على شهادات الحكيين الاحياء الان، ان اصيلي منطقة القابيل كانوا صادقين في ولائهم وجادين في قتالهم في اي من الصفوف التي اختاروها.  كان الذين والوا الفرنسيين منهم بنفس شجاعة واقدام من والوا الجزائريين.  ثم ان فرنسا تخلت عنهم في فرنسا وسلمتهم ليلقوا مصير الخائن على يد جبهة التحرير.  بنفس القدر من الازدراء والتجاهل تقريبا تعامل الجيش الاسرائيلي مع ابناء جيش لبنان الجنوبي، وقد ساهدنا مباشرة هذا التعامل الممنهج على شاشات التلفزة لحظة الانسحاب من جنوب لبنان. ليست لدينا صور دقيقة عن وضع الحركيين من زمن الرومان عندما قام البربر بالعمل كجنود متطوعن لمحاصرة الطوارق على خط اللمس، او عندما عمل بكلي البربري معينا للفاطميين على التنكيل بقبائل من بني جلدته.
لقد تعددت صور الظاهرة "الحركية" في تاريخنا القديم والمعاصر ولم نقف الا عند صورة مصير الخونة وتكرار ظاهرة الخيانة في منطقتنا بطرق تمتد من النقد الذاتي الى الشتم وقراءة الدرس.  لم ننتبه في كل القراءات ان "الحركية" هي خنث ثقافي وعهر حضاري وهي ايضا عاهة مستديمة يسببها غياب الموضوعية وتناولنا للاشياء كمثقفين تغلب علينا نظرة الانا المحور المرجع ويغيب عنا منطق الرؤى العلمية المرجعية.  هي زنا بالمعنى التعسف على الاشياء دفعا بالاختلاف الى تبني اللامنطق. 
كل الحركيين عبر التاريخ هم معتمدون ايمانا او تكلفا على قراءة متعسفة للواقع ترى الامر بالمخالفة  للواقع ولو بالوهم.  قد يكون مفهوم الوطن غير مكتمل في الذهنية الجمعية  في الماضي، فكان لهؤلاء الحركيين بعض العزاء في اعتماد ولاءات اجنبية والانخراط فيها بيعا للاهل والارض والثقافة.  قد تكون لهم رؤية ضبابية بحكم كثرة الغزاة وبطشهم وغياب القيادة المحلية في فترات تاريخية متباعدة.  لكن ليس للتخلف من عذر لا للخيانة من سبب ولا للتشرذم من عقل، خصوصا وحركيو اليوم لهم ابواق اعلامية وثقفوت وسماسرة سياسة وغيرها من الادوات التي نفخ فيها الاستعمار الجديد من روحه عبر اليات الاستثمار في الفوضى.
عندما يطلب احدهم اعادة رسم الخرائط وبرمجة الشعوب وتغيير لغاتها ومعتقداتها تعسفا على التاريخ لمجرد كون الماضي لم يكن عادلا بما يكفي ليرضى عنه كل الناس اليوم، عندها تفهم ان الشحن يتم بطريقة عامية سطحية لانفس شبعت اضطهادا وحرمانا من اوجه متعددة اخرى، فاصبح بالامكان تصعيد النقمة بتشكيلات ممنطقة احيانا ونعرات قبلية وعائلية ومناطقية وفقهية ولغوية احيانا اخرى. 
ان هذه الشعوب التي تعاني الحرمان المعيشي بتغييبها عن سبب ازمتهاالنفسية والجسدية، تهرب من وحه قضياها المعيشيى اساسا وتساق الى تبني قضايا وعي مغلوط بالمطالبة بتطبيق دين على شاكلة معينة او تغيير نمط عيش او لغة او انتماء لكي تصعّد الشحن النفسي المرافق لمعاناتها المعيشية. اللامنطق في هذا ايضا هو ان لا علاق جدلية وعلمية بين ما تعانيه الشعوب من جهل وتفقير وتهميش وما تساق الى تبنيه من مواقف واقوال.  يتطلب تغيير وضعها ثورة حقيقية على من يسلبها حريتها ولقمتها وقرارها ويحول بينها وبين تجسيد برنامجها ومطالبها، ولا يتطلب ذلك تبني كلام الفتاوي الغريبة او المطالبات بالانتقام  من شخصيات تاريخية لم نعد نجد حتى مقابرها اليوم.
لا يمكن دس دعاوي الانسلاخ من وطن وتغيير لون علمه او لغته او اسمه الا باسلوب "حركي"  يوجه السلاح الى من يقاتل لكي تنتصر انت.  لا يمكن ان يشق اجتماع الناس  على مطالب وطنية الا من ي ريد ان يركب موجة حركية جديدة.  لا يستمرأ احد مسح الواقع الثقافي ونسفه الا ان يولغ في دماء ابناء جلدته من اجل وهم اختطه سابقوه. لا يقبل الله ان تسيل الدماء لكي يرضى.  لا يقدر احد ان يسقط هوى هوية واهية على الاخرين باسم حقوق تاريخية او متطلبات او الزامات دينية.
"الحركية" التي نعرفها هي حركة تاريخية صنعها الاستعمار الفرنسي للجزائر ووظف المكون الثقافي لجلب المهزوزين انتماءا وتعميق تهميشهم عبر اشراكهم  في محاربة المناضلين الوطنيين.  يبدو ان توظيف الحركيين البربر ضد اخوتهم من الطوارق كان درسا للفرنسيين وغيرهم من الاستعماريين لقوة المدخل النفسي والحضاري.  بريطانيا وظفت الطموحات القبيلة والاطماع السلطوية للتخلص من العثامنيين، كما ان امريكا ايضا وظفت الانتماءات العقدية المذهبية لكي تستطيع تركيع العراق فاصبح قتل الشيعي للسني والسني للشيعي امرا ضروريا لدخول الجنة، في حين ان التعامل مع المحتل فرصة لتحييد الطرف الاخر من التشكيلة السياسية المنتظرة. 
شعوب الارض تطلق الوصف الصحيح على من يخترق مصلحة الوطن لرؤية ضيقة او مخمصة في راي او نبش لماضي بخلفية غير علمية، في الواقع الوعي الزائف يبدأ بزرع الشك في موطن الاتفاق واليقين.  يقينك في تاريخك ولو كانت فيه صفحات تزييف محدودة يصبح كل التاريح مجالا للاختلاق من جديد والتزييف مرة اخرى لتنتج صفحة تاريخية اخرى اشد كذبا من الاولى.  الاديان ليست موضوعا علميا ولا مجالا للتجربة العلمية بحثا عن اليقينية ، لان اليقينات العلمية صحيحة في سياق ما وفي فتة تاريخية معينة قبل ان يقع تطويرها او تجاوزها.  وهكذا فان كل خطاب خاضع لمعيار الصدقية، الامر الذي يجعل الخبر، اي خبر، محمول على الصدق والكذب، بدرجات مختلفة.  وبذلك فان زرع التشكيك في اي خطاب امر طبيعي وشائع ومتاح.  لكن الموقف المشكك ذاته والقراءة المشككة ذاتها قابلين للتشكيك. وعندما يتعلق الامر بنصوص مرجعية كالدين والتاريخ والولاء الوطني، فإن التشكيك قد يكون فتنة وليست علما او منهجا مستأنسا. 
بذلك يظهر لنا المرجفون اليوم الذين يتصرفون ب"حركية" هادمة للشعب ولمؤسسات الدولة وكيانها الحضاري والثقافي في طلب وهم بركوب قضايا لها شرعية في ظاهر القول.  من ينادي اليوم بحركية حقوقية كانت او دينية او مدنية فهو داعي الى "حركية" وحراك مشبوهة فاحذروهم، هم العدو.
 

Saturday, February 28, 2015

اين نحن من صناعة العالم؟

التخويف\الارهاب الغربي هو اساس صناعة المال واطباق السيطرة على العالم. نحن الان ازاء دورة من دورات تطور العمران البشري وتشكل الكوكب ككيان له حاكمه ومؤسس عقليته ومراقب الحال فيه (كشكل من الادراة والتمثيل لهذا الكيان) يجب ان يذعن الجميع للرب الجديد الذي يشكل بعلمه وادواته العالم، مثلما حاولت بقية الشعوب الرائدة في فترات تاريخية سابقة.
اذا حالة الهيمنة الامريكية تتخذ هذه العلة كمسؤولية حضارية برغم وجود عامل الامتهان للضعفاء من اجل تواهصل رفاه الاقوياء. المعنى هنا ان المطلب كبير وجلل رغم امتعاضنا من دفع الفاتورة ونقص موارد والفرص ولا اخلاقية الهيمنة ونعرة التحرر. 
 لكن واقعيين ونسال انفسنا ماذا قدمنا للتراث البشري كاضافة نوعية منذ عصر الحداثة؟ ألى اي مدى انضبطنا في السياق الحضاري العام بشكل فاعل و ايجابي بعيدا عن الرفض المتطرف لكل شيء؟ ثم، ما الذي يجعلنا نتحمل وزر ما يقع لنا وجعلنا العبرة في كل فعل والمفعول به في كل تحول والمستخلص لكل الفواتير التي تتطلبها كل مراحل االتطور البشري، بدءا بالحروب الصليبية، مرورا بالاستعمار المستنزف للموارد والطاقات البشرية وانتهاءا بعصر تجسد التزاوج بين راس المال المعولم والمشروع الصهيوني والتقائه مع محور تشكيل المنظومة العالمية لقيادة وتمثيل العالم؟
ان الرابط الاساسي بين كل هذه الاشكاليات لا يكمن في وضع تخمينات عن سبب تخلفنا في صياغة مشاريع للخروج من الازمة، كما فعل رواد عصر النهضة وورثة افكارهم اليوم، بقدر ما يفترض الانتهاء الى مكامن الخلل وتحليلها بشكل مقنع لنعرف في فضاء الظلمة الذي نحن فيه اين يقبع سبب داء الارتهان والهوان والضياع.  إن تاخرنا عن المساهمة في التراث البشري لم يكن اساسا بسبب ضعف تقدمنا التكنولوجي والعلمي بقدر ما كان متمثلا في عدم قدرتنا على الانصهار في ثقافة العالم بدل مواصلة طرح انفسنا بكل وهمية كبديل منفرد ومتفرد لا يندمج بل يطلب اندماج الاخرين في ثقافته، فديننا ولغتنا واسس حضارتنا هي الاسمى والانقى عنصرا ومضمونا وبقينا نعيش بهذا الوهم قرونا الى ان اصبح عامل  تحييدنا كمكون وجب التخلص منه، من طرف العالم ومنظومة توحيده،  بكل الطرق الاخلاقية وغير الاخلاقية امرا ضروريا.  صحيح ان عناصر تشكل هذه العقلية فينا امر فيه الكثير من الصحة كما يبدو لنا، لكنه كخطاب  داخلي وكمناجاة باطنية استهلك كل قوانا واذاب احساسنا بضرورة صنع شيء يتماشى مع متطلبات تحقيق ذواتنا. ثم انه صنع منا كيانات تمجد الماضي وتستهلك التاريخ الذاتي جدا.
إذا فضرورة ان يتحول العالم الى كيان موحد بقيادة واحدة يتطلب تخليص البشر من معيقات حضارية وفكرية كالتي نمتلك. وهو امر لا دخل لنا في تشكيله او رفضه لانه اصبح معطى واقعيا يجب ان تعامل معه بعيدا عن التشكيك والانكار والرفض.  ثم ان قضية تمسكنا بالمحرمات والضوابط الاخلاقية التي تهدف منظومة راس المال الى دفنها هو ما جعلنا خارج سياق المحركات الكبرى للاقتصاد العالمي وثقافة الابداع فيه.  من الطبيعي ان نتمسك بقوانين وضوابط نعرف جيدا جدواها المعيشية قبل اهميتهاالاخلاقية، لكن طرحها في نواميس تعاملنا مع الاخر يجعلنا مستهدفين قبل غيرنا.
فلنأخذ مثال الربا، فلم تنزل ي القران الكريم اية تشدد العقاب بمثل ما فعلت اية الربا في سورة البقرة، اذ ان العمل بالربا هو محاربة لله عز وجل، والناظر الى حال العالم يعلم ان شفط المقدرات البشرية الان يتم  بفعل حركة الاموال عبر حركة الربا البنكية وتصاعد التضخم. بمعنى انه علينا اما ان نترك القول باحداث نظام مصرفي يلائمنا وان نعمل على اسلمة العالم والمعاملات او ان نكون واعين بشكل كاف لكي نصع بديلا يفرض نجاحه منظومة اخرى تستقطب العالم ولا تكون سبا في استهدافنا.  ان عدم قدرتنا على تشكيل وعي بعنصري الانصهار و الاضافة، اللتان نجحت في فهمهما ثقافات اسيوية اخرى سايرت الركب وفهمت كيف تركب السفينة، جعلا منا هدفا سهلا لمخططات خطيرة لا ترمي الى ردمنا بشكل خاص واستثنائي بقدر ما تهدف الى استعمالنا كاداة لتسريع عملية تسيير الكون كلية والسيطرة على ادارته. 
ان كل ما يتم الان في الوطن العربي والعالم هو استعمال للتخويف \الارهاب كأداة لتركيع الناس كما تستعمل العصا مع القطيع.  تركيعهم من اجل ضرب روح المقاومة وشل حركتهم بكل الوسائل لكي يستكمل الفريق المتخفي والمتنفذ بشكل كبير جدا عملية سيطرته على العالم ومراقبته لحركات الكائنات وسكناتها.  في حقيقة الامر، بقدر ما نستهجن هذا الاطباق على انفاس البشر، بقدر ما ننظر الى ما في الامر من روح مسؤولية بشيء من الايجابية التي لا تخلو من تفاؤل ساذج قد يساعدنا على قبول الاقدار.

Wednesday, February 4, 2015

الثورة الحقيقة

ما يفعله المتطرفون هو فضح لمشروع الوهم، فقد ظل كثيرون منا يقولون ان المشكل كامن في الدين نفسه او في تأويل خاطئ له. ويقول المتفقهون علما ومعرفة ونباهة زائدة عن المعروف ان الاسلام دين الوسطية وان علينا البحث عن منطقة الوسط في كل المسائل التي تعرض علينا في الدنيا، اي ان التدين الصحيح هو عبارة عن توسط في الكمية والمقادير بمعنى المنزلة بين المنزلتين. يعني اذا قيل لك عن القتل والترويع في الاسلام فعليك ان تتخذ موقفا وسطا تمويها وتلفيقا وتعمية كان تقول ان الاسلام غير عنيف وغير مسالم تماما وان السلف الصالح رضوان الله عليهم لم يخطؤوا عندما حرقوا تقاتلوا وسبوا ونكل بعضهم بالبعض الاخر، فقتل رضي الله عنه رضي الله عنه اخر وكلاهما مبشر الجنة.  هل هنالك خداع ذاتي اكثر من هذا؟؟؟
يصل بنا فقه الوسط الى نطقة وسطى بين المنزلتين لا تليق الا بمن يختار الوسطى او يريد ان يلغي المنطق ويغتال العقل، الامر قد يمر على عالم يتوارث الجهل ويلقح لقبول المخازي والدروشة جيلا وراء جيل وكابرا عن كابر.  لكن هذا لا ينطبق على رسالة ارسلت للعالمين، يعني اما ان تنخرطوا في منطق العقل وتقولوا شيئا مهما، منطقيا، متناسقا وواضحا لا فقه ومأمأة فيه أو ان تعلنوا افلاس مقولاتكم البالية وتحافظوا على جلستكم على الوسطى. 
الامر وما فيه هو اننا، وبمحض ارادتنا الحرة، حرية وحوش البرية، انخرطنا في مسار المشيخانية (غير مشتقة من الشيوخ، الشيخ الخ)، اي اضفاء قدسية غريبة على الاسماء والنصوص التراثية وجعلها في منزلة المنزه. فترى ان الحديث عن الصحابة مثلا يحاط بهالة من التقديس ترقى الى اعتبار كلامهم التراثي فقها ومرجعا اساسيا في الدين.  ثم ان فهم النص قطعي الدلالة والثبوت يقتضي تدخلا لاهوتيا من رجال الدين الذين جبنوا امام الموروث النصي اصلا.    ثم انهم يعتمدون موازنات خارجة عن منطق النص القراني الجامع، فضلا عن كونهم قراءا للكلمات والجمل لا يرتقون الى مرتبة الفاهم والقارئ للنص كوحدة خطابية.
  يبقى تأخر المسلمين عن الاسهام في مجال من اخطر مجالات العصر متمثلا في تحليل الخطاب من اهم مطابت سقوطهم المتاخر، مقارنة بالمسيحيين، في مطب المشيخانية.  صحيح ان ادخال نصوص العهد القديم الى الاسلام لم يكن ممكنا لكن ما وفره التراث الفقهي العقيم وما قدمته الخلفية التوظيفية لاغلب المسانيد السنية  (نسبة الى السنة النبوية)، شيعة وسنة،  جعلنا في نفس نتيجة الحركة المشيخانية التي  برزت في العصور الوسطى  والتي بفعلها وقع تجاوز النص التوراتي  واعتماد القبالا والتلمود وادخال العهد القديم الى الانجيل.  كانت النتيجة ان بررت، بل  طعت مع كل المحرمات السابقة واصبح الدين داعيا الى تعميد السلوكات غير الاخلاقية والمشاريع المفنية للجنس البشري.
ما يقع اليوم امر في غاية الاهمية لاننا سنشهد قريبا حربا باوراق مكشوفة، لعل استعمال ورقة الارهاب فيها وبشكل مكشوف اول بوادرها.  اصبح الجميع يعي جيدا ان من يحارب الارهاب لا يعدو ان يكون شخصا اخر غير زارعه وراعيه. وان الارهاب له ما يبرره دينيا اكثر مما يسفهه، بحيث يصبح الحديث عن لا اسلاميته مجرد تنصل منه بالالتجاء الى فكرة الوسطية.
  نحن مقبلون على مزيد من الانكشاف والكشف. حرب العراة هي اذا مشهد حتمي سيجعل اصحاب العورات المشوهة اكثر عرضة للضرب.  كما انه سيجعل وتيرة الزمنونسق التغيير فيه اسرع في اتجاه فرز الصفوف، الامر الحتمي بشريعة القران ومنهجه.  فالصراع الحقيقي هو بين الوهم والحقيقة، وكلما انكشفت عورة الوهم كلما كان سقوطه اكثر تسارعا.  هذا ما يعني ان سقوط محور الوهم سيكون في زمن قياسي، مقارنة بما اخذه من وقت لكي يمتد ويترسخ.  كل ما يقع الان هو   صعود ملحوظ وبشكل ملفت للنظر لمحور الحقيقة، اي محور من يرون الامر كما هو ويرفضون التطبيع مع الخطأ والوهم والتزييف، أي محور مقاومة الوهم.  ان مظاهر الاعدام المجاني ثم الجوء الى الذبح ثم الحرق ماهي الا هستيريا جلاد، تتنامى لتسهل انهياره ونهاية حقبته. 

Wednesday, November 26, 2014

النمط التدافعي في مقابل النموذج التفاعلي في الطرح الفكري العربي

ترتبط مجمل الطروحات الفكرية بانماط سلوكية واساليب تفكير تسم اصحابها كما تعبر عن مستوى النضج الفكري لمجتمع ما في مرحلة فكرية معينة.  فقد نضرب مثلا على الترابط بين ما يطرح فكريا على مستوى نخبة المثقفين وعلاقته بانماط السلوك السائدة ما كنا نراه من تبني مثقفي مرحلة تاريخية ما لما هو مقبول شعبيا في ذلك السياق وتلك المرحلة التاريخية. ولعل ذلك في ارتباط بتأثر النخب بما يعتمل إجتماعيا وثقافيا من أفكار ومواقف وما يستوعبه العقل البشري في تلك المرحلة من تاريخ البشرية، وهو ما يؤدي الى صياغة أنماط فكرية معينة متجانسة ومتناسقة إلى حد يصعب معه تخيل الخروج من سياق النمطية هذا.  لكن خلاصة التجارب الإنسانية وما صاغته من نماذج متقدمة يفرضان التخلص من النمطية لأنها لا تساعد على القطيعة المطلوبة لتحقيق التطور النوعي في قيمة البدائل المطروحة.  فلا يمكن أن نخرج من بوتقة صنع الفشل بدون حصول تغيير نوعي ومباشر في طريقة التفكير ونموذج الطرح الفكري في مجتمعاتنا العربية.  كما أن مراكمة الصياغات التي تعتمد نفس النمط الفكري رغم إختلاف، بل في أحيان كثيرة تناقض،  مشاربها وأهدافها لا تحدث تغييرا في مستوى الطرح ولا في نوعية الإنجاز، وهو ما يجعلها دون مستوى المشروع الحضاري ولا حتى الطرح الفكري الجاد.  من جهة أخرى يعتبر التنميط الفكري والتحنط في الخلفية الأنطولوجية للمثقفين خروجا عن السياق التاريخي للتطور الأنساني، فأن يطرح الفكر البشري اليوم وبجدية وعمق أهمية التفكير والبناء التفاعليين كبدائل للتربية والسلوك وكسياقات عامة لطرح مجمل الأفكار والمشاريع المتفاعلة داخل سياق إجتماعي وسياسي معين. 
لا غرابة أن ينطلق الحديث في بداية القرن عن النماذج التفاعلية من الوسط التعليمي كبديل عن أنماط التعليم والسلوك التربوي التقليدي وكحلقة متقدمة من حلقات بناء التفكير النقدي، إذ أن النقد شكل راق من التفاعل الأيجابي مع المعطى الموضوعي ومع المحيط الأجتماعي والمعرفي، فإكساب الطفل ملكة التفكير النقدي هو بناء للتفاعل المعرفي وبداية لتشكل التفاعل الأجتماعي و الفكري فيما بعد.  فالمعرفة في نهاية المطاف هي بناء تفاعلي بين أطراف متشاركة ومتفقة على نموذج التأسيس والبناء، وليست بناءا أحاديا يقوم به المعلم في ذهن المتعلم بقصد شحن عقل هذا الأخير بالمعلومات.  نظرا لكثرة المصادر والمؤلفين في هذا السياق سأكتفي بذكر البعض منهم: Chittenden(2002)، Brown (2007)، Bardovi-Harlig (2013) و  Diane  Larsen-Freeman (1986، 1991، 2013)، المصنف الأخير يفسر دور غياب النماذج التفاعلية في إستيعاب المعرفة لدى المتعلمين. م من جهة أخرى، بشرت بحوث تربوية عديدة بظهور بدائل فكرية وطروحات ثقافية بديلة وحققت السبق في مجال تطور طريقة نظرتنا إلى الأشياء من حولنا.  فما طرحته Karen Ann Watson-Gegeo ( 2004) من تحول مفهومي، أو بشكل أدق كقطيعة معرفية، تنطلق من إعتبار المعرفة بناءا إجتماعيا يتأثر بالمسارات الثقافية والإجتماعية السياسية، وهو ما يؤسس لأجتماعية المعرفة في نهاية المطاف.  وتستدل كارن على بداية حدوث هذا الأنقلاب المعرفي بأن الدائرة أصبحت تساهم في صياغة المعرفة تفاعليا، بخلاف ما يعتقده اصحاب نظرية العالمية من تأثير المركز، أنطولوجيا أو إبستملووجيا.   من ذلك أن اللغة والثقافة والعقل تحدد شكل بعضها البعض عبر وسيلة الخطاب ومن خلال الوظيفة التفاعلية. 
إن كانت مباحث علوم التربية المتعلقة بإكتساب اللغة الأجنبية قد توصلت إلى أهمية المناهج التفاعلية الإجتماعية وضرورة ترسيخها، لا كممارسة بيداغوجية فحسب، بل كقيم إجتماعية تؤسس لمجتمعات إنسانية متفاعلة مسالمة وناجحة، فإن العمل بمقتضيات هذه الكتطلبات يعد اليوم عنصرا مهما في تحديد مستوى الأنسنة والديمقراطية والتطور والتحضر في المجتمعات البشرية.  ذلك أن إعتماد المنهج التفاعلي في تعامل مجمل المكونات الأجتماعية مع بعضها البعض لا يكون مجديا ما لم تتخلى المرجعيات والطروحات الفكرية عن أنماط التفكير التدافعي والصدامي الذي ينتهي بالإقصاء والعنف وفرض الأراء بالقوة.  إن كان أمر تخلف الأنماط التدافعية التقليدية تربويا أمرا واضحا من الناحية التربوية كما اسلفت الذكر، فإن ما ينجر عنه من بناء هش ومتنافر لمجتمعات بشرية تمتلك مقومات تجانس أكبر من أسباب التنافر التي يمكن إيجادها بداخلها هو عنصر هدم حضاري وشلل ثقافي وإنحراف سياسي. 
إذا ما طبقنا هذا التقسيم على مجمل المجتمعات العربية اليوم نجد أن تأثير التربية التقليدية وأنماط التعليم المقولب سواءا داخل الأسرة أو في المؤسسات التعليمية العمومية يظهر الخلل الواضح في منظومات التفاعل فيما بين النخب السياسية والثقافية.  لا ينبغي أن تكون الأجواء المتوترة والصراعات العنيفة وحدها المعيار المحدد لأوجه هذا الخلل، لكن غزارة المادة الفكرية المتموقعة سياسيا ودرجة التطرف في الطروحات، بالأضافة إلى دغمائية الطروحات وإستنادها إلى عقليات الأقليات العرقية واللغوية والمذاهب الفقهية هو شكل من أشكال غياب التفاعل، إذ أن الأعاقة التفاعلية بين الأقليات ومختلف التشكيلات الإجتماعية مثلا ينتج عن غياب للتفاعل الفكري والأجتماعي.  كما أن حضور الخطاب المذهبي الوثوقي والتكفيري ايضا هو ترسيخ لثقافة التدافع والتصادم ولأنماط التفكير التقليدي الذي لا يرقى إلى مستوى البناء الإجتماعي والحضاري.  من جهة أخرى، يعتبر الأنحسار المجتمعي في داخل الدول القطرية نفسها وداخل مقاطعاتها وأقاليمها الجغرافية ومكوناتها الفئوية، والذي غالبا ما يظهر كواجهة سياسية لمشاكل ذات طابع تربوي إجتماعي أو إقتصادي معيشي بالأساس، هو تعبير عن إعاقة تفاعلية موروثة لا علاقة عضوية بينها وبين المواضيع التي قد تكرح في سياقها. 
فمسألة الأقليات التي تبدو للبعض قضايا ومشاريع حضارية أو محض مؤامرات خارجية هي في الأصل تعبيرات عن رواسب فشل تربوي في مستوى بناء الفرد وغياب لثقافة التفاعل الأجتماعي.  بذلك تصبح درجة التماسك الحضاري معبرة عن ثقافة التفاعل والتعايش في أي محيط ثقافي وحضاري.  مقابل ذلك، يظهر الأنفلات في الوحدة الوطنية وغياب المشاركة الفردية و حضور الطروحات الإنشطارية وتقزيم كيانات الأنا في غياب الأخر مدى تغلغل أنماط ثقافة التدافع بين مكونات المجتمع والأمة ودخولها في مرحلة الصراعات العنيفة والتشتت المجتمعي.  إن المنظرين إلى هذا النوع من الفوضى لا ينظرون بجدية إلى أن العوامل الموضوعية المتمثلة في التفكير النمطي التدافعي والتي أدت إلى خروج مكون مجتمعي أو ثقافي ما عن إطاره الأوسع هي نفسها التي ستؤدي إلى خروج مكونات أخرى من داخل هذا المكون المنفصل وإلى سريان عدوى الأنشطار وما ينتج عنه من مآسي إجتماعية ومزيد من التخلف الحضاري.
  قد يكون التفكير التقليدي في نظام الولاءات، من قبيل الولاء للقبيلة مثلا، سببا في نزوع النمطية الى تحديد درجة التنافر وعدم التواصل بين الأنا والآخر، لكن الأشكال والتمظهرات التي نرى من خلالها خطابات وطروحات الأقصاء لا تمثل أبعادا قبلية محضة، فالخطاب التكفيري يخلق ولاءات عقدية مبنية على نظرة أحادية مقدسة ودغمائية ذات اسس فقهية بالاساس.  نفس الأمر ينطبق على الدعاوي والشطحات العرقية التي تريد أن تخرج من سياق الحضارة العربية الأسلامية بإبتداع هويات ولغات محصورة في الجغرافيا والديمغرافيا.  ربما يكون النمط التدافعي استدعاءا جديدا للولاءات القبلية في غياب عناصر التفاعل الأيجابي، لكنه لا يطرح كمشروعا جديا بإعتبار أن حركة الصدام والعنف والحرابة والأنشقاق والتدافع بين المجموعات البشرية هو قوى هدم لا يمكن لدعاتها أن يتكهنوا بمداها ولا بتأثيراتها، ولنا في نموذج البلقان والصراعات القبلية في إفريقيا نهاية القرن الماضي خير أمثلة لما أدت إليه مشاريع الموهم المجهول.  أما في دولة مثل السودان فإن غايب ثقافة التفاعل فتح المجال أمام تفتيتات عرقية موهومة ومشاكل إقتصادية متراكمة تهدد كل الكيانات التي إنشقت والتي تنشد الأنشقاق تحقيقا لما توهمه من تقرير لمصير مجهول.
  فبعيدا عن تفسيرات المؤامرة، التي لا يمكن إستثناؤها كعنصر فاعل، يجب أن نضع حدا فارقا بين الدعاوي التي تعتمد التدافع والصراع من جهة، ومشاريع التفاعل الأجتماعي والثقافي.  فالأولى تنشد التصادم والتفتت والاقصاء وتنشر ثقافة إلغاء وتحقير الأخر ورفضه ضمنيا أو بشكل صريح.  في المقابل، تعتبر المشاريع التفاعلية الأخر جزءا من الكيان العام ومن شخصية المكون الفردي.  أما من يعتبرون أن التدافع سنة كونية أو حقا مشروعا للثأر من خيبات موهومة أو دفاعا عن مقومات تفرد وخصوصية فإنهم يتناسون أن الدفع والدفاع هما في مقابل إعتداء وعدوان وليسا مقومين من مقومات السنة الكونية أو الحقوق الإنسانية.  ذلك أنه في غياب الأعتداء والتهديد ينتفي الحق الأنساني في طرح التصادم ورد الأعتداء.  فالأية الكريمة التي تشير الى دفع الله الناس بعضهم ببعض ليست إلا مكملا لمعاني واردة في سياقات الأعتداء، أي الحد المبرر للعنف والتصادم.  والامر نفسه ينطبق على صنوها في الدعاوي الحقوقية التي تنشأ عنها حركات الأقليات وطروحات الأنفصال والتدافع داخل مكونات الأمة الواحدة.  إذا، بدل طرح وترسيخ ثقافة التفاعل الأيجابي والنظر إلى الأمور بموضوعية في إطار مشاريع ثقافية وحضارية حقيقية، تعمل ثقافة الموروث التصادمي التدافعي على تبرير وزرع أفكار العنف والأقصاء والتهميش التي لا ترقى إلى مستوى كلمة مشاريع.

Sunday, November 9, 2014

حرب المجالات الاقليمية ودوائر النفوذ وغزوات الموارد الباطنية


حرب المجالات الاقليمية ودوائر النفوذ وغزوات الموارد الباطنية

ماذا تعني الثورات العربية للمشروع الصهيوامريكي؟

 

يلاحظ الناظر إلى مجمل الاحداث والمآلات التي تودت عنها الثورات العربية منذ سنة 2011 أن حكات التغيير طال بشكل خاص المجالات الهامشية في هذه الدول فضلا عن فشلها في إحداث تغيير في مختلف أوجه الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتربوي، بخلاف ما يروج له من مهرجانات فلكلورية في الانتخابات والتداول على السلطة بكل غير عنيف في غالب الاحيان.  لقد فشلت الثورات في تحقيق تحول ديمقراطي حقيقي يشرك مختلف اطياف الشعب في العملية السياسية بدون تاثيرات خارجية مباشرة واختراقات قصد منها افشال العملية برمتها أو تحويل مجالها إلى التلهي بقضايا هامشية.  فنتج عن كل ذلك غياب لبرامج تنموية حقيقية واشراك فاعل لمختلف الفعاليات والمجتمعية والمدنية، إضافة إلى تردي تام في مستوى المعيشة والامن وغياب لروح الامل والانفراج لدى قطاعات كبيرة من الشعب بما فيها قطاع الشباب. 

في مقابل هذا الوضع المخالف للمألوف لدى الشعوب التي قامت فيها ثورات اطاحت بأنظمة فاسدة ظهرت تدخلات أجنبية وبرامج نبست بها المؤسسات الاعلامية ووشت بها وقاءع الحال كشفا وتعرية وإظهارا للنوايا.  يتضح للملاحظ البسيط أن الازمة الخانقة التي خلفتها المشاكل الاقتصادية لسنة 2008 في العالم الغربي نتجت عن تصدع في المنظومة البنكية بسبب شفط احادي الجانب في السيولة المصرفية لأدى الى مشاكل هيكلية اصابت المؤسسات الاقتصادية وازمة ثقة لدى المواطن والمستثمر على حد السواء.  في سياق هذه الازمات تزداد افق التوسع والنمو لاقتصاديات دول اسيوية مهمة مثل الصين وروسيا.  ففي حين يتحرك الاهتمام الاستثماري في هاتين الدولتين الى القارة الافريقية بحثا عن موارد باذنية مهمة لازال الحديث عنها قليلا واستثمارها محدودا للدول التي هي عادة من خارج النفوذ التقليدي في المنطقة.  فمناجم الذهب واليورانيوم وحقول البترول لم تفتح امام المستثمرين الروس. كما أن الاستغلال الصيني لحقول السودان كان قد كلفها حربا فقدت فيها الجزء الجنوبي من الوطن عقابا لها على إقصاء امركيا من الغنيمة.  ومهما قدم السودان من تنازلات وتعبيرات عن حسن النية فإن الغضب الغربي لن يهدأ، وفي قصة القذافي مع الغرب عبرة لمن يعتبر.

وفرت الحرب على سوريا، من جهة أخرى، فرصة لخنق المقاومة في لبنان وفلسطين ليس فقط حماية لاسرائيل وإلهاءا لاعدائها التقليديين والشرسين، بل كذلك إنشاءا لمنظومة جديدة من المجالات الأقليمية ودوائرالنفوذ لتخفيف الضغطين الامني والاجتماعي على المنطومة داخل هذا الكيان المنهك بشكل شبه معلن بعد هزيمة حرب 2006 وفشل عدوان 2008 في ارضاخ ما بقي من حركات المقاومة.  لقد تحولت الدول العربية المعادية لمشروع السلام وتلك الممثلة لقوى أقليمية هامة سياسيا وعسكريا إلى بؤر توتر تطرح فيها قضايا الاديان والمذاهب وتظهر فيها تنظيمات بل وتحكمها أحزاب دينية تطرح أفكار الحاكمية ولباس المرأة وتطبيق ما تسميه بالشريعة قبل المشاغل الامنية والاقليمية والتنموية ثم تنخرط في مشروع اقليمي تتزعمه قطر الراعية لقاعدتين امريكيتين ساهمتا في العدوان على دول منها العراق ثم تركيا التي تحوي قاعدة حلف شمال الاطلسي التي منها قصفت ليبيا وغيرها.  من المفارقات ايضا ان طروحات الحركات الاسلامية المستفيدة سياسيا من الثورات تحولت الى مصالح تنظيمية بحتة بعد ان كانت تنظَر للوحدة الاسلامية وتنشد قيامها بين كل الاقطار متجاوزة حتى الاحلام القومية في الوحدة.

   في دول مثل تونس اصبحت قوانين حضر احداث الاحزاب على اسس عرقية او دينية يسمح باحزاب وحركات تدعو جهارا الى توجهات دينية دون اخرى معادية للمنظومة الديمقراطية والوحدة الترابية للدولة.  لقد نشأ حزب التحرير رافضا للدولة وللديمقراطية وظهر حزب امازيغي يدعو الى حقوق اقليات عرقية في باب السياسة والى اعادة امجاد البربر وطرد العرب في اطر ثقافية قريبة منه.  ثم اصبح المشهد السياسي بعد الانتخابات يدعو الى التفرقة بين الشمال والجنوب بحكم النتائج الانتخابية.  وظهرت خرائط جديدة يقع تمريرها عبر الاشاعات المدروسة لدولة امازيغية توحد جنوب تونس وليبيا والجزائر في مناطق استغلال حقول نفطية وتوحد ديمغرافي وثقافي مزعومين.  ثم وشت زيارة برنار ليفي الصهيوني الفرنسي لزعماء ليبيين وناشطين امازيغيين واخرين لم يكشف عنهم الاعلام بعمل ما تستغل فيه حماسة الاقلية البربرية الى تكوين دولة على غرار الاكراد وجنوب السودان بمساهمة ليبيين تمتد الى الجزائر لضربها والحاقها  بركب دول الفوضى. ببساطة إن كان في هذه الزيارات والمشاريع طروحات شريفة وبنَاءة لما كانت وقعت في الخفاء وبعيدا عن الاعلام.  يدور كل هذا الركض في إطار خلق مراكز نفوذ لحركات اسلامية تكفيرية عنيفة في مناطق جغرافية صعبة لكنها استراتيجية تقع بين تونس والجزائر.  لقد كانت تلك المنطقة الجبلية ذات اهمة خاصة عند الرومان ومنها دخل الفرنسيون المستعمرون الى تونس.  لذلك فان اختيارها لهذه المنطقة ليس الا لدور اقليمي خطير يتجاوز ضرورات التخفي التي تحتاجها هذه الحركات عادة.

وفي حال غرق الجزائر لا قدر الله فإن المجال الاقليمي لاسرائيل ونفوذها غير المباشر سيكونان قد فاقا مؤهلاتها الجغرافية والسكانية بل و حتى العسكرية.  وهذا هو مربط الفرس في كل ما يحدث. فلقل اصبح جليا أن النتائج والنجاحات التي يحققها الضرب المباشر لدول عربية ذات وزن سياسي واستراتيجي مثل مصر وسوريا والجزائر مع تحييد شبه تام لادوارها القومية والاقليمية يضاف اليه انهاك متواصل لقواها بقضايا كلها تتعلق بالماضي  هو توسع في المجال الاقليمي لاسرائيل.

ثم ان تقسيم هذه الدول من أجل ان يشعر ادعياء الاقليات بانهم ثأروا من الماضي ويتمكن اتباع بعض المذاهب الدينية من فرض طريقتهم في الحياة والتدين يعد إنجازا تاريخيا تعجز عنه عساكر اقوى المبراطوريات.  هذا الموقف لا يجب ان يعد مصادرة لحقوق الاقليات والجماعات العرقية والدينية في ممارسة حقوقها في تدريس لغاتها وثقافتها والتعبير ثقافيا واجتماعيا عن تواجدها كمكون وطني في كل الاقطاردون الاقصاء والتهميش والتحقير الذي قد يشعر به بعضهم. لكن الخيط الفاصل بين هذه الحقوق والاستغلال السياسي لها يتمثل أساسا في تبني مواقف العداء وممارسة الاقصاء ضد الاخرين في خطابات التهييج الشعبوية التي يراد بها لفت النظر ورفع مستوى الطرح من موضوع شان عام ذي عدالة واحقية الى انشاء قضية لها مريدون وانصار.  ففي جنوب السودان كان الخطاب الشعبوي السائد يتحدث عن شماليين وافدين على المجال الافريقي واخرين ابناء بلد في الجنوب.  فلم تشفع البشرة السوداء للشماليين لكي يفقدوا وطنيتهم.  بمثل هذه التسطيحات للقضايا يكسب طارحو هذه المواضيع شرعية القضية ولكي يجعلوا الوهم واقعا فإنهم يتمسكون بالقشة. لكن بذلالقشة يتدلى اليهم حبل المحرك الدولي والاقليمي لاصحاب قضايا التلهي المكلف بجمع حطب لنار الفتنة ويجعل منهم وقود حرب يتقاتل فيها ابناء الوطن الواحد فقط لينتصر احدهم على الاخر.  الا يرون ان امريكا لا تسمح بتغول التكفيريين لاسقاط نظام الاسد ولا للاسد بسحقهم؟ اليست هذه عبرة لكل تكفيريي العالم؟

دى الى

 

Friday, September 5, 2014

اشكالية الخطاب وازمة العقل البوست ثوري في تونس

اشكالية الخطاب وازمة العقل البوست ثوري في تونس
العنوان يستعمل استعارة من الباحث اداورد سعيد عن البوست كلونياليزم
يلعب مجال تحليل الخطاب في الامم الغربية ومؤسساتها دورا محوريا في دراسة الظواهر الاجتماعية والسياسية والنفسية ايضا وصولا الى تفكيك الادوات اللغوية ورصد تفاعلها اجتماعيا لدراسة تاثيراتها وديناميكية تفاعلها داخل القوى الاجتماعية.  بقطع النظر عن المذاهب والمقاربات المعتمدة، يصل الباحثون الى تفصيل الظواهر الاجتماعية والسياسية والامنية وغيرها انطلاقا من منطوق لغوي يحتل مكانة خاصة او يمثل ظاهرة فريدة بذاتها. 
إلا أننا وفي سياق تحليلينا لمجمل الظواهر الاجتماعية في المجتمعات العربية قلما ننظر الى المعطى اللغوي بشكل علمي ممنهج.  اللغة عندنا مجموعة من المعاني تقرأ في سياق ما قيل ولاي هدف ومن اي منطلق لتقييم المحتوى وربطه بمجمل المفاهيم التي تعاطى معها في حياتنا اليومية.  كما أن القارئ لمجال تحليل الخطاب قد يفهمه على انه دراسة علمية لخطاب مكتوب صادر عن شخص مهم او معبر عن مضامين مهمة سياسيا او علميا.  على العكس تماما، يعتبر تحليل الخطاب اداة فاعلة في دراسة الظواهر وليست معولا يسلط على الكلمات المهمة التي بلقيها المسؤولون بغية استخراج مجموعة من المعاني ودراسة حالة ما سياسيا او امنيا.  وبذلك فإن تحليل الخطاب كما يعرفه رافيل سالكي   Raphael Salkieليس تقييما له او ارسال احكام عن النص، بقدر ماهو دراسة للبنية اللغوية للخطاب وصولا الى تحديد الاليات المكونة  للمعنى المراد تبليغه.  كما أن تحليل الخطاب يصل الى مستويات دراسة دور اللغة في صياغة التفكير لدى الافراد ويجيب على اسئلة معرفية ظلت لسنوات من اختصاص علوم أخرى مثل الانثروبولوجيا وعلم الاجتماع وعلم النفس، فبحسب بربارا جونستون Barbara Johnstone، يجب على من يريد فهم الانسان ا يفهم تحليل الخطاب.   بهذا المعنى فنحن اليوم بحاجة الى علم تحليل الحطاب لفهم الكائن البشري في المكون الاجتماعي. 
إن فهم الانسان في هذه المرحلة التاريخية من الاشياء المهمة التي يجب ان ننتبه اليها لكي يكتمل تصورنا عن الفرد وعن الازمات الاجتماعية التي عادة ما نفصلها  على أنها ازمات عنف وغلاء معيشة وغيرها من التمظهرات التي تعبر نشرات الاخبار وعناوين الجرائد اليومية.  إن الأزمات الاجتماعية اعمق من التمظهرات التي نعاني منها وهي بحاجة الى دراسة وتفصيل بغاية تحديد مواطن الخلل التي تكمن وراء العلة التي نراها لمجمل مشاكلنا اليومية.  إن ظاهرة العنف، مثلا، هي تعبير ع مشاكل نفسية وعائلية واجتماعية اشمل لكنها كظاهرة خطاب تعني وجود خلل هيكلي في مجمل التصورات التي يحملها الناس عن الاشياء من حولهم.  إذا ببحثنا في العنف فإننا نصل الى بنى لغوية ومفهومية مغلوطة تساهم في صنع العنف كظاهرة بشكل اقوى مما يسببه الفقر والحرمان وغياب التواصل العائلي.  فان تكون فقيرا مثلا ومن وسط مقصى إجتمعيا لا يحتم ان تكون عيفا.  لكن البناء المفهومي الذي من خلاله تحدد معاني الاشياء والعلاقات من حولك هو الذي يؤثر في علاقات الاشياء بعضها ببعض وردود افعالك عليها.  تعلل جونستون ذلك بان وجود المفردات قد يكون مسؤولا عما نتظره مما يمكن ان تعبر عنه كمفاهيم مشتركة.
  في نفس السياق يعتبر الالسني الفرنسي بينفينيست ان عدم وجود الضمير "أنا" بخلاف ضمائر اخرى مثل "هو" و "هي" و "هم" هو سبب في كون اللغات تشترك في خاصية اعتبار الناس منفصلين عن بقية الموجودات.  كما تضيف ايضا ان عدم توفر منظومة أزمنة صرفية معقدة في اللغة الأنجليزية يمكن ان يفسر الاهتمام الملحوظ للانجليز بالوقت (الساعة).  تدور مجمل هذه الافكار في سياق ما رسمته فرضية سابير و وورف منذ النصف الاول من القرن الماضي من أن الهيكلة اللغوية المتمثلة ف البنى النحوية والصرفية تؤسس الهيكلة العقدية وحقيقة الاسياء في الواقع.  ففي الواقع، ويقطع النظر عن درجة الحتمية والوثوقية العالية لمثل هذا الكلام، يبقى البناء الداخلي للجمل وجعل الافعال في واجهة الكلام في اللغة العربية، في اغلب التركيبات، امرا ذا دلالة في تركيب عقولنا ومناهج تفكيرنا.
إذا تلعب القواعد والمفاهيم اللغوية دورا هاما في صياغة فهم معين للاشياء من حولنا، وفي وجه اخر من اوجه حركة الجدلية بين اللغة والفكر المؤسس للكيان البشري، ينطبع الفعل اللغوي سلوكا نسعى الى تحقيقه واقعا. فكثير من المفاهيم التي نكتسبها للاشياء والعلاقات التي نقيمها للامور من حولنا هي مشاريع لواقع نبغي تاسيسه. من هنا يتأكد لنا أن جزءا من مأساتنا تنبع من كوننا نريد المفاهيم العقلية واقعا، وهو ما يعني اننا في درجة من درجات اللاوعي واهمون ان اللغة، كبناء مفاهيم وعلاقات، هي سابقة للوعي.  يضرب وورف مثالا على ذلك بالقول ان حكمك على برميل نفط وقع افراغه بانه فارغ يعني انك اسقطت فهما في غاية الخطورة في صورة ما اذا اقتع احدهم بالقول واشعل سيجارة بجانبه.  إذا ايجاد واقع من منطوق لغوي امر لا يقل خطورة عن التمويه والخداع.  يعتقد شرزر (Sherzer, 1987)  ان الخطاب يخلق ويعيد خلق الثقافة واللغة ثم يقوم بتحويرهما، وبذلك فان الخطاب يخلق مفاهيم ثقافية واديولوجية جديدة.  وهذا هو السياق الذي ظهرت فيه دراسات التحليل النقدي للخطاب فيما بعد على يد فيركلاف ووداك (Fairclough & Wodak, 1997)  وهو ما عبر عه ميشيل فوكو (Foucault, 1972) فيما قبل من قبيل القول بأن اساليب الخطاب تؤسس اساليب التفكير لخلق ايديولوجيا جديدة ونشرها.  فيعمل خطاب العلماء الذي يستعمل الافعال المبنية الى المجهول على ترسيخ فكرة ان التجربة العلمية والحقيقة العلمية متجاوزتان لمن يقوم بهما وهما بذلك لا ترتبان بفاعل معين، ما يفعله هذا الاختيار اللغوي هو ترسيخ موضوعية المحتوى وقدسيته المعرفية. 
اذا ما طبقنا مجمل الافكار المطروحة في سياق سعي الخطاب الى ترسيخ واقع جديد عبر بنى لغوية عفوية في خطاب العامة في المنتديات وصفحات الشبكات الاجتماعية نرى أن اللغة تتسم بالوثوقية العالية (إن، كل، لاشك،)  والاستعمال المكثف لادوات الثبوتية (من المسلمات، ينبغي، من المحال ..) وادوات التقسيم بين خندقين متنافرين، متصارعين يشتد النفور بينهما الى درجة الصراع العنيف.  كما ان المفردات تتسم بالعنف شتما وتوبيخا واستهزاءا وتشهيرا وتسفيها وتهديدا. في حين تتكثف الصور الجنسية والمواضيع المتصلة بالقدح في قيم الرجولة والفحولة والشرف بشكل واسع للتشهير بالطرف المقابل المتمثل في الغريم السياسي.  ما صيغ التاكيد المشفوعة بالافعال الماضية المرتبطة بحقل دلالي عنيف ( لقد قتل، إن ذبح، لا شك أن تهجير، إلخ) تستعمل لتجريم الطرف الاخر.  هنالك دائما طرف اخر في خطاب المرحلة اللاحقة للثورة في تونس، من نوع هم ونحن، هم ملحقة بها كل اساليب السب والشتم والتعيف والوعيد و"نحن" الضحايا الذين عانو من تجاوزات الاخر.  من بين الاساليب اللغوية المتوارثة في اللغة العربية هي استعمال ادوات التوكيد في بداية الجملة لابعاد اي شبح للشك. كما ان استعمال الافعال يجعل البنية اللغوية محتمة لوجود فاعل مسؤول عن الفعل، أي طرف قام بشيئ ما، عادة. وهذا الامر يخدم المفاهيم سابقة الذكر ويجعل تقبلها ممكنا.  فيكفي ان تقول مثلا "إن ما قام به فلان من تشتيت للمجتمع وللبنية الاسرة لهو من باب عدائه لقيم كذا وكذا" ليصبح المعنى ان ما قام به ثابت وأن النتيجة حتمية وسيئة.
  هكذا تبنى المفاهيم السياسية خاصة اذا ما وقع الاعتماد على خلفية دينية او عقدية صلبة كالعصبيات الجهوية والمذهبية والحزبية وعصبيات الاقليات.  فيكفي ان يتوجه خطاب وثوقي باسم احدى هذه الاطراف إلى الطرف الذي في الجانب الاخر حتى تخلق عداواة ويصبح التفكير اما معي او مع اعدائي.  ثم ان نيل الاستحسان لا يتم بالا بالولاء للشخص او للطرف الذي ينتمي اليه.  اما عن النتيجة التي تبرز عن كل هذه الظواهر اللغوية فهي تشكل الانوات كاشخاص لا تربطهم بمن حولهم ثقافة حوار ولا امل في الطرح والطرح النقيض والمنزلة ما بينهما.  لا توجد مناطق وسطى في لغة التطرف والشمولية والعنف والمفاهيم الجاهزة.  هذه المدينة اسمها كذا لان نصا ما او مصدرا ما او حجرا ما يشير الى ذلك فم يسميها بغير ذلك فهو كافر بافكاري ومن يكفر بافكاري هو عدو لي.  يقع التنافس على التسمية وفرض تسمية اخرى مكانها ورفض التسمية المتعارف عليها.  في قضية مشابهة للصراع الفارسي العربي على تسمية الخليج عربيا او فارسيا، لكن مع فارق ان الصراع الجيوسياسي له دلالته وللتسمية مبرراتها وتاريخيتها، يمكن ان فهم صراع المصالح هذا بين الدول على مجرد التسمية، لكن ان تفتح جبهة داخلية مبدؤها لغوي حول تسمية مكان ما امر يجعل مسالتي السلام والتوافق الداخليين في منتهى الخطورة.  هنالك موضوع اخر يلعب فيه اللغوي دور المؤسس للهوية فبين مثبت لهوية اقرها الدستور الى ناف لها ومتنصل من اللغة والدين والثقافة والمعطى كما يعتبرونه تلعب اللغة دور المؤسس والمقر والناحت والنافي والمستهزئ والساب والشاتم والنافي للاخر. 
قد يظهر التحليل السابق للظواهر اللغوية في تنافر تام مع روح الثورة كمشروع جمعي وكاطار لعمل وطني فيه من الالتقاء اكثر مما فيه من الافتراق، فالثورة هي تشكيل لحمية وطنية جامعة وتشكل لوعي جمعي خارق لا مثيل له الا عند الحروب وحصول الغزوات الاجنبية.  الا ان المفارقة ابعد من ذلك، اذ يظهر الخطاب العنيف لمكونات مجتمعية تدعي الثورية، ويصبح المكون السياسي والاجتماعي الذي قامت عليه الثورة جزءا من المكونات التي تمارس التساب على صفحات التواصل الاجتماعي.  بقطع النظر عن صدق الثورية لدى الطرف المدعي لها، فإن الخطاب الثوري لا يظهر في لغتها سواءا اكان ذلك في مشروع طروحاتها ولا في جماعية نظرتها.  قد يكون من الانسب ان نتحدث عن شيء ما قد تم ولم يحقق الحالة الثورية في مستوى الافراد بقدر ما قتل الروح الجمعية وقوى الروح الفردية ونزعة الغنيمة والتعادي، وهو ما يمكن ان نسميه بالعقل البوست ثورجي.  لاشك ان التسمية محاكمة للثورة في حد ذاتها عبر خطاب استهزائي مستنقص من قيمتها، لكن التوصيف يحيل الى حالة لم تتم وعمل لم يستكمل وادعاء لم تستطع العقول ان تجسمه كحقيقة حاصلة في الاذهان والمشاريع والافكار.  إن أزمة العقل اليوم متمثلة في جملة من التوصيفات السلبية والخطيرة التي يمكن من خلالها ان نرى ان العقل في مرحلة البوست ثورة هو عقل الثورجية عقل : انفعالي، روابطي، اقلياتي، توهمي، ثبوتي، عنيف، مكبل باللحظة، سوداوي، هدام، غير مستشرف وغير مبدع.